تتجه القيادة الأوكرانية نحو تحول إستراتيجي حاسم في إدارتها للصراع مع موسكو، يتجاوز حدود طلب المساعدات العسكرية التقليدية إلى محاولة إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة. ويظهر ذلك جلياً في أعقاب زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن أواخر يوليو 2026، والتي سبقتها ضربة صاروخية أوكرانية استهدفت سفينة شحن إيرانية تنقل الحديد من روسيا عبر بحر قزوين.
وتشير التحليلات إلى أن كييف تسعى إلى دمج مسرح العمليات في شرق أوروبا مع الصراع الأمريكي-الإيراني في الشرق الأوسط، للتحول من مجرد متلقٍ للدعم إلى طرف فاعل في إستراتيجية واشنطن الإقليمية، مستلهمة في ذلك النموذج الإسرائيلي للتموضع كشريك أمني لا غنى عنه في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني المتصاعد.
تكتيك “إسرائيل الأوروبية” وإعادة التموضع الإستراتيجي
بحسب تقييمات صاردة عن خبراء في معهد “كوينسي للحكم الرشيد”، فإن التحركات الأوكرانية الأخيرة تهدف إلى إقناع إدارة الرئيس دونالد ترمب بأن كييف يمكنها لعب دور “إسرائيل في شرق أوروبا”. ويسعى زيلينسكي عبر هذا الطرح إلى تأكيد قدرة بلاده على احتواء التوسع الروسي وحماية أمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متجاوزاً حالة الفتور والتشكيك التي طبعت علاقته مع الإدارة الأمريكية الحالية.
وترتكز هذه الإستراتيجية على تقديم أوكرانيا كحليف يقدم مبادرات ميدانية ملموسة لمواجهة طهران، خصوصاً مع توجيه واشنطن معظم أنظمة دفاعها الجوي المتقدمة نحو الشرق الأوسط، مما يدفع كييف لمحاولة إثبات أن مسرحي الصراع مرتبطين ببعضهما بشكل وثيق.
سلاح “التضليل الاستخباراتي” وضغوط اليمين الأمريكي
شهدت هذه المقاربة الأوكرانية اختراقاً داخل أوساط اليمين الأمريكي المؤيد لترمب. وظهر ذلك في التبدل المفاجئ لمواقف شخصيات مؤلفة مثل الناشطة لورا لومر، التي زارت أوكرانيا والتقت بمسؤولين عسكريين وسياسيين، متبنية السردية القائلة بأن طهران تعتمد على التكنولوجيا والرادارات الروسية لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية.
وفي مقابل ترويج كييف لمعلومات تدعي وجود تعاون استخباراتي بين موسكو وطهران لتحديد موقع القوات الأمريكية، أبدى الرئيس ترمب تحفضاً حيال هذه التقارير، مؤكداً عزمه التحقق منها مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي هذا السياق، يرى محللون في واشنطن أن محاولات ربط الصراعين عبر تسريبات استخباراتية غير موثوقة تهدف بالأساس إلى جر الولايات المتحدة لمواجهة مباشرة مع موسكو، معرقلة أي مساعٍ لإحياء المفاوضات.
مخاطر اتساع رقعة المواجهة وفرص الحل
يحذر مراقبون من أن دمج حرب أوكرانيا مع الأزمة الإيرانية سيؤدي إلى تعقيد المشهدين العسكري والسياسي، حيث ستتشابك خطوط الإمداد اللوجستي والتخطيط العملياتي، مما يجعل الفصل بين دعم كييف ومواجهة طهران أمراً مستحيلاً، فضلاً عن دفع القوى الأوروبية نحو انخراط أكبر في الشرق الأوسط.
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن فتح قنوات تواصل مباشرة بين واشنطن وموسكو قد يمنع هذا التصعيد؛ خاصة مع إبداء الكرملين استعداده للتوسط في النزاع الأمريكي-الإيراني. وقد تشكل هذه الوساطة -حال استغلالها- مدخلاً مزدوجاً لاحتواء التوتر في الخليج، وبناء زخم يدفع نحو إنهاء الحرب الأوكرانية عبر حلول تفاوضية تجنب المنطقة والعالم سيناريوهات المواجهة المفتوحة.