تتصاعد في الآونة الأخيرة بشتى المدن المغربية موجة من الغضب الساطع والانتقادات اللاذعة الموجهة للتدبير الحكومي لقطاع الصحة، إثر تفاقم تكاليف العلاج واستمرار غلاء أسعار الفحوصات الطبية لدى الأطباء الخواص. وفي هذا السياق، برزت على واجهة النقاش العمومي مطالب مجחفة وحقوقية ملحة تدعو إلى فرض تسقيف صارم لتسعيرة الاستشارة الطبية وتحديدها في حدود 150 درهماً، خاصة بالنسبة لأطباء العام، في خطوة يرى أصحابها أنها تعد الحد الأدنى لإنقاذ جيوب المواطنين وحماية الفئات ذات الدخل المحدود والطبقات الهشة من جشع “تجار الصحة”.
وتأتي هذه الحملة الشعبية والمدنية لتضع الحكومة الحالية في قفص الاتهام، نتيجة استمرار صمتها المطبق وعجزها البنيوي عن فرض قوانين تنظيمية تحمي المرضى من فوضى الأسعار التي تتراوح غالباً بين مبالغ خيالية تفوق قدرات الأسر البسيطة. ويؤكد الغاضبون أن استمرار الحكومة في نهج سياسة الأذن الصماء والتنصل من إيجاد آليات حقيقية لضبط القطاع الخاص، يكرس تفاقم الأعباء المعيشية ويهدد الحق الدستوري في التطبيب والعلاج، سيما في ظل تآكل التعويضات الهزيلة التي يقدمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) والتي تعمق الهوة بين التكلفة الفعلية والمبالغ المسترجعة.
ورغم أن فكرة تسقيف الأسعار لا تعني بالضرورة إقرار تعريفة موحدة مطلقة، إلا أن فعاليات حقوقية واقتصادية تعتبرها مدخلاً أولياً وأساسياً لإصلاح منظومة الرعاية الصحية وتحسين الولوج إليها. غير أن غياب إرادة سياسية حكومية حقيقية لتفعيل قوانين المراقبة وتعديل الاتفاقيات الوطنية المتعلقة بالتعويضات الطبية، يترك المواطن المغربي رهينة في مهموزات المصحات والعيادات الخاصة. وهو ما يفرض على الجهاز التنفيذي اليوم الخروج من دائرة المتفرج ومواجهة هذه الاختلالات بجرأة وحزم سياسي، ما لم يكن مستعداً لتحمل المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا الاحتقان الاجتماعي المتصاعد ضد غلاء التطبيب والمعيشة.