قد تبدو البداية شخصية جدا: امرأة تعلن انتهاء عدتها بعد وفاة زوجها، وتتحدث عن تجربة عاشتها، وعن مدة تراها اليوم غير منسجمة مع بعض التحولات التي عرفها المجتمع والعلم، لكن بعض الأسئلة لا تبقى شخصية طويلا.
تدوينة ياسمينة بادو أعادت إلى الواجهة نقاشا يتجاوز العدة نفسها: كيف نتعامل مع الأحكام ذات المرجعية الدينية في مجتمع يتغير باستمرار؟ وهل يمكن أن تتغير طريقة تنزيل بعض الأحكام عندما تتغير الظروف والوسائل والمعطيات التي تحيط بها؟
الموضوع حساس، ليس لأن السؤال ممنوع، ولكن لأن الإجابة عنه لا يمكن أن تأتي من زاوية واحدة.
في قضية العِدَّةُ، استحضرت بادو التطور العلمي، خصوصا ما أصبح يوفره تحليل الحمض النووي من إمكانات دقيقة في إثبات النسب، ومن هذه الزاوية يبدو السؤال مباشرا: إذا كانت بعض الوظائف التي ينسبها البعض إلى العِدَّةُ مرتبطة بالتأكد من الحمل أو النسب، فماذا تغير مع تغير الوسائل العلمية؟
لكن العِدَّةُ لا تختزل بالضرورة في هذا البعد وحده فهي مرتبطة بمرجعية دينية لها سياقها الخاص، كما أن مدونة الأسرة عندما نظمتها لم تتعامل معها باعتبارها مجرد إجراء طبي أو تقني لذلك فإن وضع الـDNA كبديل مباشر للعدة يبسط مسألة أكثر تعقيدا، وهنا تظهر القضية التي تستحق النقاش فعلا:
ملاءمة الأحكام الدينية مع الواقع ليست مسألة جديدة، كما أن الواقع نفسه ليس ثابتا، ما يتغير هو المجتمع، والعلاقات الأسرية، والمعرفة العلمية، ووسائل الإثبات، وحتى طبيعة الأسئلة التي يطرحها الناس على القانون.
لكن التغير في الواقع لا يعني آليا أن كل حكم ديني ينبغي أن يعاد النظر فيه، كما أن ثبات المرجعية لا يعني أن طريقة تنزيل الأحكام في المجال القانوني والاجتماعي لا يمكن أن تكون موضوع اجتهاد ونقاش، بين الأمرين توجد مساحة واسعة تحتاج إلى معرفة أكثر من الشعارات وهذا تحديدا ما يجعل النقاش حول مدونة الأسرة معقدا.
فالقانون لا يشتغل في فراغ إنه يترجم اختيارات مرتبطة بالدين والمجتمع والأسرة والحقوق، ولذلك فإن أي مراجعة أو قراءة جديدة تحتاج إلى التمييز بين أصل الحكم، وتأويله، وكيفية إدماجه داخل القانون، والواقع الذي يطبق فيه.
تدوينة بادو ربما لن تغير شيئا في حكم العِدَّةُ، لكنها كشفت مرة أخرى أن المجتمع المغربي أصبح يطرح أسئلة مختلفة حول علاقته بالقانون وبالمرجعية الدينية والأهم ألا يتحول كل سؤال إلى مواجهة بين من يريدون تغيير كل شيء ومن يريدون الإبقاء على كل شيء كما هو، المسألة أعمق من ذلك فالواقع يتغير، والعلم يتقدم، والقانون يتطور، بينما تبقى المرجعيات الدينية حاضرة في بناء المجتمع المغربي وبين هذه المستويات الثلاثة، تظهر الحاجة إلى نقاش يعرف الفرق بين ما يمكن أن يكون موضوع اجتهاد قانوني، وما يرتبط بحكم شرعي، وما تفرضه ضرورات الواقع.
لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل انتهى زمن العدة؟ السؤال الأوسع هو: كيف يمكن لمجتمع متغير أن يحافظ على مرجعياته، وفي الوقت نفسه يجد الصيغة القانونية التي تستجيب لتحولاته؟
ذلك نقاش أكبر من تدوينة، وأكبر أيضا من شخص يطرح رأيا، وهو نقاش يحتاج إلى هدوء، ومعرفة، ومسافة كافية عن الانفعال حتى لا تتحول الأسئلة المشروعة إلى خصومة لا تخدم لا القانون ولا المجتمع.