تفتح طريقة تعاطي السلطات الإسبانية بمدينة سبتة المحتلة مع جثامين الشباب المغاربة مجهولي الهوية، الذين قضوا غرقاً أثناء محاولات الهجرة غير النظامية، باب النقاش واسعاً حول مفهوم كرامة المواطن وحرمة الإنسانية ما بعد الموت، متجاوزة المقاربات العشوائية التي تعتمدها بعض الدول في التعامل مع ضحايا المآسي البحرية.
فعلى عكس ممارسات الدفن الجماعي المجهول التي تُطمس معها معالم الهوية ويتضاعف معها معتصر ألم الأهالي، اعتمدت المصالح المختصة إجراءات علمية وقانونية دقيقة لحفظ حقوق الضحايا وعائلاتهم عبر المراحل التالية:
- التوثيق البيولوجي والقانوني: أخذ عينات من الحمض النووي (DNA) والبصمات الرقمية لكل جثة وتسجيلها في قاعدة بيانات متطورة لمنع بقاء الضحايا في عداد المفقودين للأبد.
- الترقيم التسلسلي للقداء: ربط كل عينة بيولوجية برقم تسلسلي خاص يُثبت بشكل دائم على القبر بمقبرة “سيدي مبارك” الإسلامية بسبتة، مما يتيح مستقبلاً لأي عائلة جراء تحاليل المطابقة التعرف المباشر على مكان مدفن ابنها وتسهيل المساطر القانونية لاستخراج الرفات ونقلها.
- احترام الشعائر الدينية: غُسلت الجثامين وكُفنت بالبياض ووجهت نحو القبلة، مع إقامة صلاة الجنازة والدعاء لهم بإشراف قيم ديني، تجسيداً لاحترام المعتقد الديني للضحايا.
تُظهر هذه الخطوات نضجاً مؤسساتياً يستطيع الفصل بين إدارة ملف الهجرة غير النظامية كقضية أمنية، وبين صون القيمة الكونية للإنسان. وتُعيد هذه المشاهد إلى الأذهان العبارة المأثورة لشيخ الإسلام ابن تيمية: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”، لتؤكد أن العدل وإحترام الكرامة الإنسانية هما المعيار الأساسي لرقي المؤسسات وديمومتها.