بشرى مبكير ✍️
لم يكن نقل مصطفى لخصم، رئيس جماعة إيموزار كندر والمرشح للانتخابات التشريعية المقبلة، إلى إحدى المصحات بمدينة فاس مجرد خبر عابر بالنسبة للرأي العام، فالرجل تعرض لوعكة صحية مفاجئة استدعت تدخلا طبيا عاجلا، فيما تحدثت مصادر إعلامية عن حالة تسمم، في وقت ما تزال فيه تفاصيل الواقعة وأسبابها الدقيقة في حاجة إلى توضيح طبي ورسمي.
لكن ما يجعل الواقعة أكثر إثارة للانتباه هو توقيتها،
نحن أمام أيام انتخابية ساخنة، ومصطفى لخصم ليس مجرد اسم عابر في المشهد السياسي، بل مرشح يخوض سباقا انتخابيا، وقد جاءت وعكته الصحية بعد فترة قصيرة من وضع ترشيحه، هذا التزامن وحده لا يسمح باتهام أحد، ولا يثبت أن ما وقع له له علاقة بالانتخابات.
لكن هل يمنعنا ذلك من طرح السؤال؟ بالتأكيد لا.
السؤال هنا ليس: من فعلها؟ ولا ينبغي أن يكون: من المستفيد؟ السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد يمكن أن يصل التنافس الانتخابي عندما يفقد السياسة معناها الأخلاقي؟
الانتخابات، في جوهرها، منافسة على البرامج والأفكار وثقة المواطني، ومن الطبيعي أن يختلف المرشحون، وأن يحتدم الصراع السياسي، وأن يسعى كل طرف إلى إقناع الناخبين بأنه الأقدر على تمثيلهم.
لكن لحظة يتحول فيها المنافس السياسي من خصم في الانتخابات إلى عدو يجب التخلص منه، تكون الديمقراطية قد دخلت منطقة خطيرة، وهنا يصبح الحديث عن “الكرسي” أكثر من مجرد استعارة.
فالكرسي السياسي لا ينبغي أن يكون استثمارا شخصيا، ولا غنيمة، ولا امتيازا يجعل صاحبه مستعدا لتجاوز القانون والأخلاق من أجل الوصول إليه أو الحفاظ عليه، ومن الخطير أن تتحول الانتخابات، في وعي بعض الأشخاص، إلى معركة “إما أنا أو لا أحد”.
فالمنافسة الحقيقية لا تعني إسقاط المنافس بأي وسيلة، وإنما تعني إقناع المواطن بأن مشروعك أفضل من مشروعه، وإذا كانت فرضية التسمم المتعمد مجرد شائعة لا أساس لها، فإن الواجب هو انتظار الحقيقة وعدم تحويلها إلى اتهام سياسي.
أما إذا أثبتت التحقيقات، لا قدر الله، أن هناك فعلا اعتداء متعمدا مرتبطا بالتنافس الانتخابي، فإن الأمر لن يكون مجرد تجاوز انتخابي، بل سيكون اعتداء على جوهر العملية الديمقراطية نفسها، لأن من يريد الوصول إلى البرلمان بإقصاء خصمه بوسائل غير مشروعة، لا يبحث عن تمثيل المواطنين بقدر ما يبحث عن امتلاك موقع سياسي بأي ثمن، وهنا تحديدا يجب أن نتوقف.
الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الصناديق التي نضعها يوم الاقتراع، وإنما أيضا بالطريقة التي يخوض بها المرشحون طريقهم نحو تلك الصناديق، هل نختلف؟ نعم، هل نتنافس؟ بالتأكيد،
هل نكشف أخطاء بعضنا البعض؟ هذا جزء طبيعي من العمل السياسي.
لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، ولا المنافسة إلى تصفية حسابات، ولا الانتخابات إلى ساحة يصبح فيها الإنسان نفسه هدفا.
وفي قضية مصطفى لخصم، تبقى الحقيقة الطبية والقانونية هي الفيصل، فلا يجوز أن نسبق التحقيق، ولا أن نحاكم أشخاصا بالظن، ولا أن نسمح للشائعات بأن تتحول إلى حقائق.
لكن في الوقت نفسه، من حق المجتمع أن يقلق، ومن حق المواطن أن يتساءل، ومن واجب المؤسسات أن توضح عندما تكون هناك شبهة تستحق التحقيق.
أما مصطفى لخصم، فبعيدا عن السياسة والانتخابات والمواقف، فهو إنسان قبل كل شيء.
نتمنى له الشفاء العاجل والسلامة، وأن تكون هذه الوعكة مجرد حادث صحي عابر لا أكثر.
وإذا كانت الواقعة صدفة، فليستعد الرجل لمعركته الانتخابية وهو في كامل عافيته، وإذا كانت وراءها شبهة تستحق التحقيق، فلتأخذ العدالة مجراها.
وفي الحالتين، تبقى الرسالة واحدة:
الانتخابات يفترض أن تختار من يحظى بثقة الناس، لا من ينجح في إقصاء الآخرين.
فالكرسي يأتي ويذهب، أما قيمة الإنسان وحرمة حياته وأخلاق الممارسة السياسية، فهي أكبر من أي منصب وأبقى من أي انتخابات.