تعيش العاصمة الأمريكية واشنطن على وقع أزمات متصاعدة بين البيت الأبيض وأبرز حلفائه التقليديين والتاريخيين، حيث يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يتجه نحو إعادة رسم مبادئ السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولعل الصدام التجاري والدبلوماسي المحتدم مع الجارة الشمالية كندا ليس سوى رأس حربة في استراتيجية أوسع قد تعيد النظر في تحالفات دامت لعقود.
معارك تجارية مع أقرب الشركاء
تجاوز الخلاف الأمريكي الكندي الحالي الحدود الاقتصادية والتبادل التجاري الذي يفوق 50 مليار دولار؛ إذ امتد ليطال أسس الشراكة الجغرافية والأمنية الممتدة منذ عقود. ويأتي هذا التصعيد في وقت تنتقد فيه قيادات سياسية بارزة، ومن بينها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، سياسات الإدارة الحالية، محذرة من أن الإضرار بالروابط الاستراتيجية مع الأصدقاء سيتطلب سنوات طويلة لمعالجته.
شرخ أتلانتي وتلويح بإعادة نشر القوات في أوروبا
على الضفة الأخرى من الأطلسي، تشهد العلاقات الأمريكية الأوروبية اتساعاً غير مسبوق في شقة الخلاف، تجلى في الموقف الأوروبي الرافض للمشاركة في التوترات العسكرية الحالية بالشرق الأوسط ومحيط مضيق هرمز.
ورداً على هذا الموقف، تتجه واشنطن لإعادة تقييم وجودها العسكري في القارة العجوز عبر عدة خطوات:
- تخفيض التواجد العسكري: دراسة تقليص أعداد الجنود والعتاد في دول محورية مثل ألمانيا وإسبانيا.
- إعادة توزيع التمركزات: مراجعة آليات التعاون الدفاعي النوعي حتى مع أقرب الشركاء كبريطانيا.
- تغيير أولويات التحالف: إعطاء أسبقية للتوافقات التكتيكية على حساب الشراكات التاريخية لـ “الناتو”.
عواصف في آسيا وضغوط على سيئول
ولا تقتصر هذه التطورات على الساحة الأوروبية أو الشمال أمريكية، بل تمتد لتلقي بظلالها على شرق آسيا. ففي الوقت الذي تبدي فيه واشنطن انفتاحاً تجاه كوريا الشمالية، تواجه العلاقات مع سيئول جفاءً ملموساً يترجم في تقليص حجم المناورات العسكرية المشتركة، وذلك على خلفية تحفظ كوريا الجنوبية على الانضمام للتحالفات البحرية في هرمز.
منهجية “المنفعة المباشرة”
يرى أنصار التيار الداعم للرئيس ترامب أن هذه التحركات تنطلق من مبدأ “أمريكا أولاً”، والذي يعطي الأولوية لـ:
- تحقيق المكاسب الاقتصادية والمالية المباشرة للخزانة الأمريكية.
- رفض التكفل بحماية الحلفاء دون مقابل مادي أو موقف سياسي مساند.
- إبرام صفقات ثنائية تضمن مصالح واشنطن بدلاً من الالتزام بالتكتلات المتعددة الأطراف.
وفي المقابل، يرى مراقبون من مختلف الأطياف السياسية أن التضحية بالمخاوف الأمنية للحلفاء مقابل صفقات منفردة قد يؤدي إلى عزلة استراتيجية للولايات المتحدة، ويكشف القارة الأوروبية وحلفاء آسيا أمام توازنات قوى جديدة.