لا تزال العاصمة الاقتصادية للمملكة، الدار البيضاء، تُشكل النقطة الأشد سخونة في نقاش الحكامة والربط بين المسؤولية والمحاسبة؛ إذ على الرغم من التوجيهات والخطابات الملكية الصارمة التي رسمت تشخيصاً دقيقاً لاختلالات المدينة وألزمت بتخليق الحياة العامة، فإن واقع الحال في العديد من الملفات يبدو كأنه يسير في اتجاه يتجاوز روح تلك التوجيهات، ليعيد إنتاج الممارسات ذاتها بأساليب مختلفة.
وقد جاءت التحقيقات والأحداث الأخيرة، وعلى رأسها تفكيك إحدى أكبر شبكات الاتجار الدولي في المخدرات التي تبين اختراق بعض عناصرها للمؤسسات المنتخبة والمجالس الترابية، لترسخ المخاوف بشأن حدود نفوذ الشبكات والمصالح الخفية في هندسة الخريطة التدبيرية للمدينة. فقد كشفت التفاصيل المتداولة عن حجم التأثير الذي مارسته هذه الأطراف في صياغة القرار الجماعي، وتوجيه التعيينات، بل وحتى التحكم في التوازنات داخل المجالس الترابية بمختلف مستوياتها.
وفي الامتداد العملي لهذه الممارسات، تبرز معطيات متضاربة حول استمرار بعض الأساليب الموروثة في إدارة ملفات حيوية تمس العقار والسلامة العامة. ويأتي ملف “البنايات الآيلة للسقوط” في مقدمة هذه الإختلالات التي تحوم حولها شبهات استغلال النفوذ؛ حيث تشير مصادر مطلعة إلى ممارسة ضغوط مكثفة على أطر وموظفين إداريين لتمرير قرارات إخلاء وهدم لبعض العقارات في غياب الخبرات التقنية المستقلة.
ويرى متابعون للملف الاستثماري بالمدينة أن تسريع قرارات الهدم تحت يافطة “الخطر الداعني” قد يُغطي في بعض الحالات عن تواطؤات استثمارية تهدف إلى إعادة استغلال أوعية عقارية ذات قيمة عالية، وما يرافق ذلك من حديث عن تدفقات مالية وعمولات غير مشروعة تستفيد منها أطراف شبكية، بعضها ينتمي إلى هيئات منتخبة يُفترض فيها حماية المال العام والتصدي للفساد.
إن هذه المعطيات تضع السلطات الولائية والإقليمية بالدار البيضاء أمام مسؤولية مضاعفة؛ إذ أضحت مطالبة اليوم بفتح تحقيقات دقيقة للوقوف على خلفيات القرارات المتخذة بشأن ملف الدور الآيلة للسقوط، وحماية الموظفين النزهاء من أي ضغوط غير قانونية. فالرهان اليوم لا يتوقف عند حدود التدبير اليومي لشؤون حاضرة بحجم الدار البيضاء، بل يتعداه إلى إعادة الثقة في المؤسسات وتأكيد أن سلطة القانون تبقى أعلى من كل شبكات النفوذ والمصالح الضيقة.