: بينما تشارف الولاية التشريعية على نهايتها وتدق طبول الانتخابات أبواب الساحة السياسية، يعود المشهد المألوف لتصدر الواجهة من جديد: وجوه باتت محفورة في ذاكرة المغاربة، تمسك بزمام القرار وتتحمل وزر ملفات شائكة طالها الجدل لسنوات، تطل اليوم حاملةً شعارات جديدة، لكنها تدور في فلك وعد قديم ومُلح: «الإصلاح».
الملفات على الطاولة: اليوم، يسمع المواطن، الذي أثقله الواقع، وعوداً متكررة بمعالجة معضلات قطاعات حيوية: إصلاح التعليم، وتجويد الخدمات الصحية، وخلق فرص التشغيل، وكبح جماح الأسعار الآخذة في الارتفاع. إنها نفس الملفات التي تصدرت البرامج الانتخابية السابقة، واليوم تعود لتكون محور الجذب السياسي، ولكن بعبارات أكثر براقة، ومعدّة بـ «وصفة إصلاحية جديدة».
التساؤل الجوهري: لكن، ومع كل موسم، يتبادر إلى ذهن المواطن سؤال بسيط ومباشر ينسف جهود الحملات الدعائية: إذا كنتم اليوم، أيها المسؤولون، تمتلكون المعرفة الدقيقة بمكامن الخلل وتعرفون سبل الإصلاح، لماذا لم تبادروا إلى ذلك عندما كنتم في موقع المسؤولية الفعلية؟
هنا تبرز المفارقة العميقة والمعادلة السياسية المثيرة للاهتمام: كيف يمكن لشخص، أو حزب، أن يشارك بنشاط في تدبير مرحلة سياسية معينة، ويتحمل بالتالي مسؤولية نتائجها، ثم يعود، وبدم بارد، في الاستحقاقات المقبلة ليقول للناخب: “أعطوني فرصة أخرى لإصلاح ما لم يتم إصلاحه”؟ إنه موقف يترك المواطن في حيرة، ويتساءل هل كانت الولاية الحكومية الأولى مجرد “مرحلة تجربة” على حساب مصالحه، وأن الولاية الثانية ستكون “مرحلة تصحيح التجربة”؟
حق المواطن في المساءلة: لقد ولى الزمن الذي كان فيه المواطن يستمع فقط للوعود ويصدقها. اليوم، أصبح من حقه، بل من واجبه الوطني، أن يمارس دوره الرقابي. ومن حق أي ناخب أن يسأل بوضوح:
- ما الذي تحقق فعلاً على أرض الواقع؟
- من يتحمل مسؤولية ما لم يتحقق، ولماذا توقفت الإصلاحات؟
- ولماذا يجب علينا أن نصدق وعود الغد، إذا كانت حصيلة الأمس أمامنا مجردة، شاهداً على عجز الماضي؟
إن الانتخابات ليست مجرد كرنفال لتبادل الوعود وإطلاق الشعارات البراقة، بل هي، في المقام الأول، موسم للحساب السياسي الحقيقي. المواطن الذكي هو من يحاسب المسؤولين على أفعالهم وإنجازاتهم، لا على ما يعدون به في المستقبل. والمرحلة الحالية، أكثر من أي وقت مضى، تتطلب من الجميع تحويل الحساب السياسي من مجرد حديث في الصالونات إلى قرار حاسم في صناديق الاقتراع.