في زحمة الفواجع المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، يمر الخبر مراراً كأنه تفصيل عابر؛ مئة واثنا عشر إنساناً من عائلة واحدة يُوارَوْن الثرى في لحظة خاطفة. رقم مرعب يمرّ على المسامع دون أن يهتزّ له العالم، ليرسخ واقعاً مأساوياً بات يحكم وجدان الإنسان المعاصر: واقع “اعتياد المشهد”.
إن هذه المأساة لا تطرح فقط أسئلة الحساب والعقاب لمن قرر بضغطة زر إبادة أسرٍ بأكملها، بل فتحت الباب لأسئلة أشد ثقلاً وعمقاً حول “حساب الخذلان”؛ خذلان الجوار، والصمت الدولي الذي يحول الدماء والركام إلى مجرد عناوين أخبارية تُنسى مع إشرق شمس يوم جديد.
يعيد هذا المشهد الأليم شريط الذكريات إلى تجارب سابقة عاشها الآلاف تحت وابل القصف في الغوطة الشرقية إبان سنوات الحرب، يوم كان القصف الصاروخي والنعوش المتتالية جزءاً من الروتين اليومي “الطبيعي”. فبين الغارات الجوية ورجم الصواريخ التي لا تبقي ولا تذر، كان المسعفون والمواطنون يمتشلون الأجساد من تحت الأنقاض وسط تتفيه مستمر لقيمة الروح البشرية، وصولاً إلى فاجعة الأسلحة الكيميائية والمقابر الجماعية التي حُوّلت -بمرور الوقت- إلى مجرد ذكريات تُروى.
المشكلة الحقيقية والتحدي الأخلاقي الأكبر الذي نعيشه اليوم لا يكمن فقط في بطش الآلة العسكرية، بل في “التطبيع مع المأساة”؛ أن يغدو الاستشهاد تحت الركام مسألة اعتادية، وأن يتضاءل مصير الإنسان ليصبح “مجرد رقم” في التشاركات والإحصائيات.
وفي ظل هذا الشلل الإنساني والغياب التام للعدالة الأرضية، لا يتبقى للمكلومين والمتألمين سوى الملاذ الأخير: اليقين بـ “يوم الحساب”. يوم الحق الذي يصل فيه العدل إلى قمته المطلقة، ليكون القصاص الشامل ليس فقط ممن سفك الدماء، بل وممن صمت، وخذل، واعتاد رؤية الفاجعة دون أن يتحرك له جفن.