✍️ بشرى مبكير :
قصة سيدة مسنة بإقليم آسفي تتداولها صفحات التواصل الاجتماعي، فتعود الأسئلة القديمة حول الفقر والهشاشة إلى الواجهة في زمن الوعود الانتخابية
تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، قصة سيدة مسنة تدعى «مي حسبية»، تجاوزت الثمانين من عمرها تعيش داخل مغارة بأحد دواوير جماعة الغيات بإقليم آسفي في ظروف قاسية تفتقر بحسب المعطيات المتداولة إلى الماء والكهرباء والغاز وأبسط شروط السكن.
صورة امرأة في هذا العمر داخل غار تكفي وحدها لطرح الأسئلة لا تحتاج إلى كثير من التعليق، ولا إلى لغة عاطفية مبالغ فيها فالمشهد، إن تأكدت تفاصيله ميدانيا، يقول ما يكفي عن وضع اجتماعي يستحق أن يحظى بالانتباه قبل أن يتحول إلى مجرد قصة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
تأتي هذه القصة في وقت يعيش فيه المغرب أجواء الحملة الانتخابية، حيث تملأ البرامج واللقاءات والخطابات المشهد العام، ويقدم المرشحون تصوراتهم للمستقبل ويطلبون ثقة المواطنين.
وفي الطرف الآخر من الصورة، توجد امرأة في الثمانين من عمرها لا تبحث عن برنامج انتخابي ولا تنتظر وعدا سياسيا، ما تحتاجه في أبسط صورة هو مكان يحميها من البرد ويمنحها قدرا من الأمان.
المفارقة لا تحتاج إلى شرح طويل، فالانتخابات في جوهرها ليست فقط تنافسا على المقاعد والأصوات، وإنما يفترض أن تكون وسيلة لتحسين حياة الناس، وحين تظهر حالة مثل حالة «مي حسبية» في هذا التوقيت، فإنها تستحق أن تدخل إلى النقاش العام باعتبارها سؤالا عن واقع الفئات التي لا تصل أصواتها بسهولة إلى أصحاب القرار.
ليس المقصود تحميل الانتخابات مسؤولية وضع السيدة، ولا توجيه الاتهام إلى جهة بعينها، كما أن ما تتداوله الصفحات يحتاج إلى التحقق من تفاصيله ومكانه وظروفه قبل بناء أي حكم نهائي، لكن حتى مع هذا التحفظ تبقى الصورة جديرة بالتوقف.
كم من إنسان يعيش بعيدا عن المدن، ولا يملك القدرة على تحويل معاناته إلى منشور أو صورة؟ وكم من مسن أنهكته سنوات الحياة، ثم وجد نفسه في مواجهة الفقر والوحدة دون أن يعرف إلى من يلجأ؟
هذه الأسئلة لا تخص «مي حسبية» وحدها، وإنما تكشف جانبا من المغرب الذي لا يظهر كثيرا في موسم الانتخابات: مغرب الدواوير، والبيوت الهشة، والأسر التي تقيس حاجاتها بأشياء تبدو بسيطة لمن يعيش بعيدا عنها، لكنها بالنسبة إليها تعني الكثير.
الجيران والمحسنون يقومون بدور نبيل حين يمدون يد المساعدة، لكن الرعاية الاجتماعية لا يمكن أن تبقى رهينة بالمبادرات الفردية، فهناك حالات تحتاج إلى تدخل منظم، وإلى مؤسسات تعرف أصحابها وتتابع أوضاعهم قبل أن تصل قصصهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون «مي حسبية» موضوعا للتعاطف لبضعة أيام، ولا صورة تستعمل لإثارة الحزن ثم تختفي وسط سيل الأخبار.
إذا كانت المعطيات المتداولة حول وضعها صحيحة، فإن المطلوب واضح: أن تصل حالتها إلى الجهات المعنية، وأن تجد مأوى لائقا يحفظ لها سلامتها وكرامتها، وأن تتحول موجة الاهتمام التي رافقت قصتها إلى مساعدة حقيقية.
ربما تكون الحملة الانتخابية فرصة للحديث عن الاقتصاد والتنمية والبرامج والمشاريع، لكن قيمة كل هذه العناوين تقاس في النهاية بما تتركه في حياة الإنسان البسيط.
و«مي حسبية» لا تحتاج إلى الكثير كي تشعر بأن الدولة والمجتمع لم ينسياها، تحتاج فقط إلى سقف يحميها في ما تبقى من عمرها.
وفي بلد يطلب من مواطنيه أن يختاروا من سيمثلهم، يبقى من المشروع أن نسأل أيضا: هل نرى جميعا أولئك الذين يحتاجون إلى من يمثلهم؟