✍️ بشرى مبكير باحثة في الإعلام والصناعة الثقافية :
بدأت الحملة الانتخابية، وبدأ معها المشهد الذي يتكرر في كل استحقاق: صور المرشحين، الشعارات، اللقاءات، الوعود، والسيارات التي تجوب الدوائر بحثا عن أصوات الناخبين، لكن خلف هذه الصورة الظاهرة توجد قصة أخرى أقل حضورا في المشهد وأكثر تأثيرا فيه: كم تكلف السياسة؟ ومن يدفع ثمن هذا الحضور الانتخابي؟
السؤال ليس تفصيلا ماليا على هامش الانتخابات، فالحملة تحتاج إلى موارد، من المقرات والتنقل والطباعة واللقاءات، إلى إنتاج الصور والفيديوهات وإدارة الصفحات والإعلانات الرقمية ومع انتقال جزء كبير من المنافسة إلى الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت صناعة الصورة نفسها نشاطا له كلفة، ولهذا لم يعد المال الانتخابي مجرد أرقام تسجل في نهاية الحملة، بل أصبح جزءا من فهم الطريقة التي تدار بها المنافسة منذ بدايتها.
القانون وضع لهذه المسألة قواعد واضحة، وفي 2026 تم رفع سقف المصاريف الانتخابية للمترشح أو المترشحة في انتخابات مجلس النواب من 500 ألف إلى 600 ألف درهم، في تعديل بررته الحكومة بتطور حجم المصاريف التي أصبحت تتطلبها الحملات الانتخابية.
والرقم وحده يطرح سؤالا يستحق التوقف عنده: ماذا يعني أن تكون هناك إمكانية قانونية لإنفاق 600 ألف درهم على حملة مرشح واحد؟
ولا يترك القانون مسألة مراقبة الإنفاق الانتخابي دون آلية للرقابة، إذ أناط الفصل 147 من الدستور بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة فحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية، فيما يلتزم وكلاء لوائح الترشيح والمترشحون، حسب الحالة، بإيداع حسابات حملاتهم التي تتضمن مصادر التمويل وجرد المصاريف والوثائق المثبتة لها، طبقا للمقتضيات القانونية المنظمة للانتخابات.
لا يعني ذلك أن كل مترشح سينفق هذا المبلغ ولا يعني أن المال يساوي بالضرورة الفوز، لكنه يكشف أن السياسة أصبحت تحتاج إلى موارد مالية حتى تستطيع أن تكون حاضرة في الميدان وفي الفضاء الرقمي معا.
والأهم أن المرسوم الجديد لم يتجاهل هذا التحول، فقد وضع سقفا خاصا للمصاريف المتعلقة بالحملة عبر الوسائل الرقمية بما يعادل ثلث سقف المصاريف الانتخابية الخاصة بكل مترشح أو مترشحة مع مقتضيات خاصة باللوائح، وهذا يعني أن المشرع لم يعد يتعامل مع الحملة الرقمية باعتبارها هامشا من هوامش المنافسة، وإنما باعتبارها جزءا من الإنفاق الانتخابي الذي يحتاج إلى التأطير والمراقبة.
وهنا تتغير طبيعة السؤال، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمن طبع أكبر عدد من المنشورات أو نظم أكبر عدد من اللقاءات، بل بمن يستطيع إنتاج محتوى أكثر والوصول إلى جمهور أوسع، والحفاظ على حضوره أمام الناخب طوال فترة الحملة.
المال هنا لا يشتري الصوت بالضرورة، لكنه يستطيع أن يشتري مساحة أكبر للوصول إلى صاحب الصوت،
وهذا فرق مهم، فالتأثير المالي لا يظهر دائما في صورة مباشرة ومخالفة للقانون، قد يظهر في قدرة حملة ما على إنتاج فيديوهات بجودة أعلى، تشغيل فريق للتواصل، تنظيم بث مباشر، إدارة صفحات متعددة، الاستعانة بمختصين في الصورة والإخراج، أو شراء مساحات إعلانية رقمية وكل ذلك يمكن أن يصنع حضورا أقوى في سوق الانتباه السياسيى و من هذه النقطة تحديدا تلتقي الانتخابات مع الإعلام والصناعة الثقافية.
فالسياسي لم يعد يقدم نفسه للناخب فقط من خلال خطاب في تجمع انتخابي إنه ينتج صورة، ويبني سردية، ويختار الكلمات والألوان والزوايا، ويقدم نفسه في فيديوهات قصيرة، ويبحث عن الانتشار والتفاعل ، أصبح المرشح بدرجات مختلفة منتجا إعلاميا ينافس على جمهور، والحملة أصبحت أيضا عملية لإدارة الانتباه، مما يجعل سؤال المال أكثر تعقيدا، إذا كان أحد المرشحين قادرا على الاستثمار أكثر في صناعة صورته، فهل نتحدث فقط عن فارق مالي؟ أم عن فارق في القدرة على التأثير والوصول؟
لا توجد إجابة بسيطة، لأن القانون نفسه يضع حدودا لهذا الإنفاق، والمجلس الأعلى للحسابات يتولى مراقبة حسابات الحملات الانتخابية، فيما يلتزم المرشحون ووكلاء اللوائح بإيداع حسابات حملاتهم وما يرتبط بها من وثائق ومصاريف، لكن وجود آلية للمراقبة يفتح سؤالا آخر: هل المشكلة في غياب القواعد، أم في مدى قدرة القواعد على مواكبة ما يحدث فعلا؟
فالإنفاق الانتخابي تغير والمنصات تغيرت وطريقة صناعة الصورة تغيرت وحتى أدوات الإنتاج تغيرت مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة المحتوى،
وأصبحت السلطات الانتخابية نفسها مطالبة بالتعامل مع فضاء لم يعد فيه المحتوى السياسي مجرد منشور ورقي أو خطاب أمام جمهور، فقد امتد التنظيم القانوني إلى شبكات التواصل والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض الممارسات والجرائم الانتخابية، بما يعكس حجم التحول الذي طرأ على المنافسة السياسية، وهنا تظهر مسألة القضاء والرقابة في مكانها الطبيعي.
القانون يضع القواعد، والمترشح يقدم حسابه، والمجلس الأعلى للحسابات يفحص الوثائق، والقضاء يتدخل في الحالات التي تصل إليه وفق الاختصاصات والمساطر القانونية، لكن فعالية المنظومة لا تقاس فقط بعدد النصوص الموجودة، وإنما أيضا بقدرتها على اكتشاف التجاوزات وترتيب آثار قانونية عليها، لأن الفرق كبير بين أن تقول القاعدة: هذا هو السقف، وبين أن تعرف فعليا ما إذا كان الإنفاق الحقيقي توقف عند هذا السقف.
وهذه ليست تهمة لأحد، ولا افتراضا بأن المخالفات تقع، إنها ببساطة واحدة من الأسئلة التي تفرضها طبيعة المنافسة الانتخابية نفسها. بل إن التجربة الانتخابية المغربية أظهرت أن مراقبة الحسابات ليست مجرد إجراء شكلي فالمجلس الأعلى للحسابات يتولى فحص حسابات الحملات ومصادر التمويل والمصاريف والوثائق المثبتة، كما يراقب استعمال المساهمة العمومية المخصصة للأحزاب لتمويل الحملات الانتخابية.
لكن هناك مستوى آخر لا تستطيع الأرقام وحدها تفسيره، من يملك المال لا يملك بالضرورة الانتخابات، لكنه قد يملك قدرة أكبر على الظهور، ومن يملك قدرة أكبر على الظهور قد يملك فرصة أكبر لصناعة الانطباع، وبذلك يصبح الإعلام طرفا مهما في المعادلة ليس باعتباره جزءا من الحملة وإنما باعتباره مساحة تكشف كيف تتحول الموارد إلى صورة، وكيف تتحول الصورة إلى حضور، وكيف يمكن للحضور أن يتحول في النهاية إلى تأثير.
إن السؤال عن تمويل الحملات ليس سؤالا تقنيا يخص المحاسبين وحدهم، إنه سؤال سياسي وإعلامي أيضا: من يمول؟ كيف ينفق؟ أين ينفق؟
من يراقب؟ وماذا يحدث عندما تصبح صناعة الصورة أغلى من مجرد طباعة ملصق؟ هذه الأسئلة أهم من الدخول في سباق الأرقام والاتهامات، لأنها تبحث في بنية المنافسة نفسها.
لقد بدأت الحملة الانتخابية رسميا، وستستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، قبل الاقتراع المقرر في 23 شتنبر 2026، ويشارك في هذه الانتخابات 27 حزبا سياسيا، ما يعني أن المنافسة لن تكون فقط على الأصوات، بل أيضا على المساحات التي يمكن لكل طرف أن يحجزها داخل انتباه الناخب، وفي الأيام المقبلة ستزداد الصور والفيديوهات والشعارات واللقاءات، لكن خلف هذا كله توجد حقيقة بسيطة: السياسة لها كلفة.
والسؤال الجدي ليس فقط من يستطيع دفع هذه الكلفة، وإنما كيف تؤثر القدرة على دفعها في شكل المنافسة وفي حجم الحضور، وفي صناعة الصورة، وفي النهاية في قدرة الناخب على رؤية جميع المتنافسين من المسافة نفسها، لأن الديمقراطية لا تختبر فقط عندما يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
وختاما نقول : فالانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع فقط، بل تبدأ منذ اللحظة التي يدخل فيها المال والإعلام والصورة في صناعة المنافسة، والسؤال الحقيقي هو: هل يستطيع القانون والرقابة ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين؟