في خضم الجدل الدائر حول الاتفاقيات الجديدة التي وقّعتها الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية، يبرز سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بمجرد “نصائح طبية” أم بسحب جزئي لسيادة الدول على قراراتها الداخلية؟
الاتفاقية المعروفة باسم “اتفاقية الجوائح” إلى جانب التعديلات على اللوائح الصحية الدولية، أثارت مخاوف واسعة من أن تتحول إلى أداة فوق وطنية تُلزم الحكومات بإجراءات قد لا تكون منسجمة مع أولوياتها المحلية. من أبرز هذه الإجراءات: الحجر الصحي، مراقبة التنقل، وتقييد الحريات تحت شعار “الاستجابة السريعة للأوبئة”.
الانتقادات ترى أن ما يحدث ليس مجرد تنظيم صحي، بل اختبار سياسي واجتماعي لمدى قدرة الشعوب على الانصياع لقرارات فوقية. ويذهب البعض إلى اعتبار أن جائحة كوفيد-19 كانت “بروفة أولى”، بينما يُطرح فيروس هانتا اليوم كنسخة أكثر قوة في سيناريو عالمي متكرر.
الإعلام، بحسب هذه الرؤية، لا يكتفي بعرض الحقائق العلمية، بل يركز على خلق صورة ذهنية موحدة للعدو: مرة “خفاش”، مرة “بنغولين”، واليوم “فأر”. الهدف – كما يراه المنتقدون – هو ترسيخ فكرة أن “الثدييات الصغيرة” المحيطة بالبشر هي قنابل موقوتة، ما يبرر فرض حلول صحية صارمة قد تصل إلى إعادة تشكيل أنماط الحياة في “مدن ذكية معقمة”.
بين المخاوف الصحية والقراءات السياسية، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت هذه الاتفاقيات خطوة ضرورية لحماية العالم من الأوبئة، أم بداية لتقليص السيادة الوطنية تحت شعار “الصحة العالمية”. وفي كل الأحوال، يظل السؤال مفتوحاً: هل الحجر القادم سيكون على الأجساد فقط، أم على العقول أيضاً؟